أبي الفرج الأصفهاني

504

الأغاني

قال : وتوقّعت مجيء الخادم إليّ ، فقلت للرجل : بأبي أنت ! خذ العود فشدّ وتر كذا وارفع الطبقة وحطَّ دستان كذا ؛ ففعل ما أمرته . وخرج الخادم فقال لي : تغنّ عافاك اللَّه ؛ فتغنّيت بصوت الرجل الأوّل على غير ما غنّاه ، فإذا جماعة من الخدم يحضرون حتى استندوا إلى الأسرّة وقالوا : ويحك ! لمن هذا الغناء ؟ قلت : لي ؛ فانصرفوا عنّي بتلك السرعة ، وخرج إليّ الخادم وقال : كذبت ! هذا الغناء لابن جامع . ودار الدور ؛ فلما انتهى الغناء إليّ قلت للجارية التي تلي الرجل : خذي العود ، / فعلمت ما أريد فسوّت العود على غنائها للصوت الثاني فتغنّيت به . فخرجت إليّ الجماعة الأولى من الخدم فقالوا : ويحك ! لمن هذا ؟ قلت : لي ؛ فرجعوا وخرج الخادم [ 1 ] . فتغنيت بصوت لي فلا يعرف إلا بي ، وسقوني فتزيّدت ، وهو : عوجي عليّ فسلَّمي جبر فيم الصدود وأنتم سفر ما نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرّق بيننا الدهر [ 2 ] قال : فتزلزلت واللَّه الدار عليهم . وخرج الخادم فقال : ويحك ! لمن هذا الغناء ؟ قلت : لي . فرجع ثم خرج فقال : كذبت ! هذا غناء ابن جامع . فقلت : فأنا إسماعيل بن جامع . فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم . فقال لي الفضل بن الربيع : هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك . فلما صعد السرير وثبت قائما . فقال لي : أبن جامع ؟ قلت : ابن جامع ، جعلني اللَّه فداك يا أمير المؤمنين . قال : ويحك ! متى كنت في هذه البلدة ؟ قلت : آنفا ، دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين . قال : اجلس ويحك يا بن جامع ! ومضى هو وجعفر فجلسا في بعض تلك المجالس ، وقال لي : أبشر وابسط أملك ؛ فدعوت له . ثم قال : غنّني يا بن جامع . فخطر بقلبي صوت الجارية الحميراء فأمرت الرجل / بإصلاح العود على ما أردت من الطبقة ، فعرف ما أردت ، فوزن العود وزنا وتعاهده حتى استقامت الأوتار وأخذت الدساتين مواضعها ، وانبعثت أغنّي بصوت الجارية الحميراء . فنظر الرشيد إلى جعفر وقال : أسمعت كذا قطَّ ؟ فقال : لا واللَّه / ما خرق مسامعي قطَّ مثله . فرفع الرشيد رأسه إلى خادم بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار فجاء به فرمى به إليّ ، فصيّرته تحت فخذي ودعوت لأمير المؤمنين . فقال : يا بن جامع ، ردّ على أمير المؤمنين هذا الصوت ، فرددته وتزيّدت فيه . فقال له جعفر : يا سيّدي ، أما تراه كيف يتزيّد في الغناء ! هذا خلاف ما سمعناه أوّلا وإن كان الأمر في اللحن واحدا . قال : فرفع الرشيد رأسه إلى ذلك خادم فدعا بكيس آخر فيه ألف دينار ، فجاءني به فصيّرته تحت فخذي . وقال : تغنّ يا إسماعيل ما حضرك . فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري فأغنيّه ؛ فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل . فقال : أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك ، فأعد على أمير المؤمنين الصوت ( يعني صوت الجارية ) فتغنّيت . فدعا الخادم وأمره فأحضر كيسا ثالثا فيه ألف دينار . قال : فذكرت ما كانت الجارية قالت لي فتبسّمت ، ولحظني فقال : يا بن الفاعلة ، ممّ تبسمت ؟ فجثوت على ركبتيّ وقلت : يا أمير المؤمنين ، الصدق منجاة . فقال لي بانتهار : قل . فقصصت عليه خبر الجارية . فلما استوعبه قال : صدقت ، قد يكون هذا وقام . ونزلت من السرير ولا أدري أين أقصد . فابتدرني فرّاشان فصارا بي إلى دار قد أمر بها أمير المؤمنين ؛ ففرشت وأعدّ فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم من الخدم ، ومن كل آلة وخول إلى جوار

--> [ 1 ] الذي يتتبع سياق الخبر يشعر بأن هاهنا نقصا . ولعل أصل الجملة : « وخرج الخادم فقال كذبت فتغنيت . . . إلخ » . [ 2 ] كذا في جميع الأصول هنا . وفي « ترجمة العرجي » ( ج 1 ص 408 من « الأغاني » طبع دار الكتب المصرية ) وفيما سيأتي في ب ، س : « النفر » . والنفر : هو نفر الحاج من منى ويكون في اليوم الثاني ويسمى النفر الأول . والثاني يكون في اليوم الثالث من أيام التشريق .